وصلت إيزميرا إلى آخر الكهف بعد أن اختارت الطريق الأيمن، حيث ابتلع الظلام ضوء شعلتها، ليحلّ صمت لم يقطعه سوى رنين معدني خافت، تبعه وقع خطواتٍ بطيئة ومنتظمة تقترب.
استلت خنجرها بحركة سريعة، ونبست بتعويذة "الامتداد والنور"، ونطقت بصوت عال مستجمعة شجاعتها:
- ساينروس.
لكنّ النصل ظلّ مكانه صغير وبارد عوض أن يكبر ويشتعل نورا.
ارتبكت إيزميرا فقد بدا لها أن المكان من حولها يبدو وكأنه ثقب يلتهم التعاويذ قبل النطق بها.
ولم تكن إلا هنيهة، حتى انبثقت من العدم -خلفها تماما- أطيافٌ أرجوانية.
كانت كيانات بلا ملامح، تحاكي هيئة البشر في جذوعها، لكنها بلا أطراف، تطفو كدخان غليظ في هواء الكهف.
ارتعدت فرائص إيزميرا، وشعرت ببرودة تسري في نخاعها.
وفي لحظة يأس، استدعت بقايا إرادتها لتطلق تعاويذ مُحرّمة، لكن شيئا لم يحدث.
تصبّب عرق غزير على جبينها، واشتعل جسدها بحرارة القلق، بينما أطبقت شفتاها في صمت مطبق، عاجزة حتى عن الصراخ.
اندفعت الأطياف نحوها بحدة، فرفعت إيزميرا يديها لتحمي وجهها في حركة دفاعية.
وفي تلك اللحظة التي أغمضت فيها عينيها، حدث ما لم تكن تتوقعه: انبثقت من أجساد الأطياف أيدٍ طويلة، نحيلة، وباردة، امتدت لتطبق عليها.
بينما كانت الأطياف في الظاهر تلامس جسد إيزميرا برقة، كأنها أنامل من حرير، كان جسدها من يصرخ تحت وطأة ركلات عنيفة من عشرات الأيادي الغاضبة.
لعنت إيزميرا تهورها، وكيف قادها فضولها إلى هذا الجحيم المظلم بحثا عن خيوط لحل اللغز.
وبينما كانت غارقة في محاولة يائسة لابتكار مخرج، حدث ما لم يتوقعه عقل؛ فجأة، ذعرت الأطياف!
وتشتتت في فوضى عارمة، عندما دخل فجأة طيف أرجواني ضخم بعيون حمراء.
أخذت الأطياف الصغيرة تتدافع وترتطم بجدران الكهف الصخرية قبل أن تتلاشى داخل الشقوق.
أنزلت إيزميرا يديها ببطء بعد أن اختفت الضربات، لتجد الصمت والظلام قد عادا يطبقا على المكان، وإن الأطياف قد اختفت.
حاولت النهوض، لكن جسدها كان يتألم، وبعد دقيقة من الصراع مع وهنها، وقفت بصعوبة، وتلمست الظلام حتى عثرت على عصاها، ثم حاولت مجددا نفث الروح في خنجرها بتعويذة "الامتداد والنور"، لكن المحاولة باءت بفشلٍ ذريع كسابقتها.
استغربت إيزميرا صمود هذا المكان في وجه سحرها، فأخرجت من طيات ثيابها ورقة صغيرة مجعدة، كانت قد قرأتها من قبل، ولكنها أخرجتها الآن حتى تتذكر ما جاءت من أجله، وهو كشف اللغز.
راحت تسترجع ذكرى قرأتها الورقة لأول مرة، كانت مكتوبة باللاتينية القديمة تقول:
- احذر الولوج إلى الكهف الثالث، في أحضان جبال هالي.
لحسن حظها، لم يكن ولعها باللغات القديمة مجرد هواية، بل كان سلاحا سريا تتقنه بجانب تعاويذ الترجمة الفورية التي تملكها.
في تلك اللحظة، انفجرت ذاكرتها بمشهدٍ آخر؛ مشهد تسللت يدها بخفة إلى جيب جاكيت بنجامين المعلق، لتسرق هذه الورقة عند عودته متأخرا في ليلةٍ مريبة. تذكرت كيف قلب الدنيا بحثا عنها، ولكن أخبرته بآسف أنها لم تر أي ورقة، ولو رأتها ستحضرها له فورا.
أدركت إيزميرا الآن أن بنجامين ليس مجرد مساعد مبتدئ، بل هو بئرٌ من الأسرار العميقة.
انقطعت ذكريات إيزميرا فجأة، بعد أن انبعث ضوء أرجواني باهت من شقوق الجدران، وكأن أجساد الأطياف التي تلاشت في الصخر قد تحولت إلى حبرٍ سحري كشف عن نقوش خفية.
لم يكن الجدار وحده من يضيء، بل تحول الكهف بأسره، من سقفه المدبب إلى الصخور المتناثرة تحت قدميها، إلى كتلة من النور الأرجواني الخافت.
فرغت إيزميرا فمها من الذهول، واتسعت عيناها الزرقاوان المليئتان بالفضول نحو الجدار، وشعرت بنشوة النصر؛ فما وصلت إليه من نتيجة، رغم القسوة التي تعرضت لها، إلا أنه كان يستحق العناء لترى هذا الجمال.
كانت الرسومات لوحة ملحمية تصوّر معركة ضارية، تجسد الغضب والقوة: ستة رؤوس مفزعة لبني الجن، تفور عيونها بالشر، تقود جيوشا من المسوخ المشوهة التي لا ترحم، وصفا طويلا من القناطر العظيمة، وإلى جوارهم احتشدت أطيافٌ شتى من الجن.
وفي المقابل، كان الجيش الآخر عبارة عن حشد من الجن بجميع أطيافهم أيضا، تحيط بهم بعض القناطر وبعض من الذئاب الشرسة التي تتهيأ للانقضاض.
وبعد طول تأمل، انجلت الصورة أمام عيني إيزميرا بوضوح؛ إنها تؤرخ للحرب الكبرى.. حرب الشياطين الستة!
تقدمت إيزميرا خطوة أخرى بحذر، فعثرت على لوحة حجرية صغيرة نُقشت عليها قواعد الدخول، قرأتها إيزميرا بصوت مسموع يملؤه التعجب، وكأنها لا تصدق ما تقرأه:
- لا يمكن دخول الكهف لأي من الآتي: الشياطين الستة ونسلهم، المسوخ، القناطر، وجن الماء.
تجمدت عيناها على تلك الكلمات المحفورة، وشعرت بأنفاسها تضيق.
تلك الوخزة الباردة التي اخترقت قلبها لم تكن بسبب برودة الكهف المفاجئة بل كانت صدمة الإدراك، همست بصوتٍ واهن، بالكاد يخرج من بين شفتيها المرتجفتين:
- إذا كان الكهف لا يدخله كل من هؤلاء، هذا يعني... أنني.. مستحيل.
- ولكن.. كيف ذلك؟ صحيح أني شعرت بثقل عند دخول الكهف، ولكن....دخلت.
تركت إيزميرا بعد لحظات من التأمل والاستغراب الحجر، وهمت بالتقدم لتلمس الجدار بأصابعها مرتجفة، ولكن تعثرت قدمها بحجر مربع صغير سقطت إثره أرضا، فرفعت الحجر لتجده محفورا بكلمات بلغة أعجمية لا تعرفها.
ما إن استقر الحجر المربع في راحة كفها، حتى سرت في جسدها قشعريرة لم تعهدها؛ شعرت بنبضة خافتة انبعثت من أعماق هذا الصخر، نبضة حية، دافئة، وكأن قلبا صغيرا قد خفق داخل الحجر لمرة واحدة.. ثم سكن.
دسته في جعبتها على عجل، وراحت تبحث عن شيء آخر، لعلها تجد مزيدا من الخيوط، ولكنها لم تجد شيئا جديدا غير النقوش الساحرة والصمت الثقيل.
خرجت إيزميرا من الكهف بعد أن تملّكها اليقين بأن لا أسرار أخرى تختبئ في زواياه.
وما إن تجاوزت الشق الأيمن، حتى تفجّرت عصاها فجأة بنورٍ باهر مزّق حجب الظلام المحيط.
انتفضت فزعة في البداية، قبل أن يستقر في روعها الإدراك بأن هذا المكان محكومٌ بقوة غاشمة، طاغية، تفوق سحرها بمراحل.
ساد قلق ثقيل وجهها حين لم تجد بنجامين في مكانه. خافت من أن يكون مكروهٌ قد أصابه، وهمّت بالالتفات نحو الشق الأيسر، مدفوعة بظنّ جارف بأنه تهور ودخل من هناك.
لكن ما إن استدارت حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ كان هناك طيفٌ أرجواني عملاق، رابضٌ ككابوس أمام المدخل، وعيناه الحمراوان تتقد شررا، يحرس هذا الممر الغامض.
تراجعت خطواتها للوراء مذعورة، ولم تجرؤ على التقدم أكثر حين نطق الطيف بلغة لاتينية عتيقة، مجلجلة بالتحذير من الاقتراب.
وفي طريق عودتها المرتبكة للخلف، صُدمت إيزميرا بفتحة الكهف العظيمة تضيء بالنور، وتفاجأت بالصخرة التي كانت تغلقه محطمة تماما، وكأن قوة قاهرة قد دكت الصخرة دكا، محولة إياها إلى ركام.
اندفعت للخارج وهي تصرخ باسم بنجامين بأعلى صوتها، لتجده ملقى على الأرض، فاقد الوعي.
هرعت إليه، هزت كتفيه بهلع حتى فتح عينيه ببطء، فسألته بلهفة:
- بنجامين! ما الذي حدث هنا؟ هل أنت بخير؟
أجابها وهو يشيح النظر عنها:
- لا أذكر شيئا... فقط الظلام.
لكن يده، دون أن ينتبه، ارتفعت ببطء إلى وجهه... وكأنه يتأكد من شيء.
ثم أردف وهو يمرر يده على رأسه كمن يستفيق من حلم مزعج:
- بخير.. أنا بخير.. لا أعلم.. ما إن غبتِ عن ناظري حتى شعرت بدوار شديد وغبت عن الوعي، وها أنا أجد نفسي هنا في العراء.
ضيقت إيزميرا عينيها، واجتاحت رأسها عاصفة من الأسئلة بلا أجوبة:
- من الذي حطم هذه الصخرة العظيمة وحولها إلى فتات؟ هل هي تلك الأطياف المخيفة الغامضة؟
ومن الذي أخرج بنجامين من قلب الكهف؟
ولماذا في الأصل قبلها الكهف، بينما بنجامين ل
م يصمد مثلها وكأن تم لفظه للخارج؟ وما سر ذلك الحجر الغريب الذي أحضرته معها.
