Cherreads

Chapter 14 - الفصل الرابع عشر

كان الكهف ينضح بالدم والرطوبة، رائحة تشبه معدن صديء غُسل بالماء.

لم يطق سديم الانتظار لوهلة؛ انحنى ورفع لينا بين ذراعيه برفق، ثم اندفع يجري فوق برك الدماء بلا وعي، ينهب الأرض نهبا وهو لا يبصر أمامه سوى مخرج الكهف، وكل همه أن ينقذ بقايا الروح في جسدها اللاهب الذي كان يحرق كفيه.

أما بلانو، فقد اقتاد ذلك الحارس البشع بقبضة من حديد نحو سجن المملكة بأمر صارم من سديم، قبل أن يعود بلمح البصر ومعه جنديان لنقل سديم، وفحص ما تبقى من أجساد في ذلك المسلخ البشري، لعلهم يجدون هناك من يقاوم الموت.

وصل سديم إلى جناح الحكيم في القصر، ووضع لينا على سرير الفحص بعناية فائقة، بينما كان الذعر ينهش ملامحه القوية، هتف بصوت يرتجف:

-أرجوك.. أنقذها! وأخبرني ماذا أصابها؟ وأي لعنة هذه التي خُتمت بها؟

أجابه الحكيم بهدوء يحاول به امتصاص ثورة الملك الشاب، ومد يده ليتفحص جبين لينا المشتعل، ثم قال بنبرة هادئة:

- لا تخف... سأفحصها بدقة، فقط أحضر لي ماء دافئا فورا

أحضر سديم الماء والاضطراب يعصف بكيانه، وقف يراقب الحكيم وهو يباشر طقوس الفحص بهدوء حذر، يسكب الماء الدافئ ويراقب تفاعل العروق النافرة التي تشعبت على وجه لينا الشاحب كأنها أغصان يابسة.

بعد أن مضت نصف ساعة كأنها دهر من العذاب، توقف الحكيم فجأة، وبقيت يده معلقة في الهواء لثوانٍ قبل أن يسحبها ببطء وكأن تيارا باردا قد مسّه، ارتجفت أصابعه وهو يتراجع خطوة إلى الوراء، وقد غلف الشحوب ملامحه تماما حين رأى الختم على كتفها الأيمن.

التفت نحو سديم بعينين يملؤهما ذعر حقيقي، وهمس بصوت خافت متهدج لم يسمعه سديم: 

- هذه ليست تعويذة عادية.. إنها....

وقف سديم أمام الحكيم " سفيد" عندما رأى أن ملامحه غارقة في توتر، فأخبره الحكيم بصوت منخفض:

- سديم.. لا أدري كيف أزف إليك هذا الخبر، ولكن...

تصبب العرق على جبين سديم، وخفق قلبه دقات متسارعة، وصاح بلهفة:

- أخبرني بسرعة! ما بها؟

أطرق الحكيم برأسه وقال بمرارة:

- أخشى أنها مختومة بتعويذة الشياطين الستة.

بمجرد أن نطق الحكيم باسم "تعاويذ الشياطين الستة"، تحول ذهول سديم إلى ثورة عارمة. لم يكن مجرد غضب، بل كان ذعرا خام، تجمدت معه الكلمات في حلقه لثوانٍ، قبل أن ينفجر صوته بحدة هزت أركان الغرفة:

- الشياطين الستة؟!

تراجع سديم خطوة للخلف وهو يضرب بيده على الطاولة الخشبية بجانبه، ثم صرخ مجددا وهو يشير نحو لينا بذعر:

- أنت تتحدث عن لعنة منسية ولا أحد يستطيع فعلها؟ هل أنت متأكد يا سفيد

حاول الحكيم سفيد التقاط أنفاسه وهو يرى ملامح سديم تتغير، فقال بصوت مرتعش:

- اهدأ يا سيدي.. أنا لا أخطيء في الفحص، وهذا الختم معروف جدا، ستة رؤوس لشياطين على هيئة دائرة، هذا ما أعرفه عن هذه التعويذة.

- سفيد أريد العلاج للينا، وإلا سأحرقك وأحرق هذا العالم بمن فيه.

- سيدي، هناك حل وعلاج يخفف عنها الأعراض، ولكن نحن بنو الجن، ورغم قوتنا، إلا أننا لا نفقه في خفايا هذا النوع من السحر المظلم.

عليك أن تبحث عن سحرة من البشر، فهم أمهر منا قليلا، وطبهم في هذا المجال يتجاوز حدود معرفتنا، أنهم يملكون تعاويذ محرمة وقوية، بجانب اتقانهم في معرفة الأعشاب والخلطات التي تستخلص منها.

لم يزد هذا الكلام سديم إلا اتقادا؛ حاصر الحكيم بجسده الضخم، وعيناه تشتعلان بنار الغضب، وهمس بلهجة حملت تهديدا صريحا:

- سأجد هؤلاء السحرة، وسأقلب الأرض بحثا عنهم. لكن اسمعني جيدا...

ابحث أنت هنا بكل ما تملك من وسيلة للعثور على شيء لتخفيف ألمها حتى أجد من السحرة من يعالجها، وإلا فلن تجد لنفسك مكانا تأوي إليه.

- حسنا سيدي.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، ولم يعد يُسمع سوى نهيج أنفاس سديم المتلاحقة، بينما كان الحكيم يرتعد وهو يرى الانهيار والوعيد يمتزجان في عيني الرجل الذي فقد كل ذرة من هدوئه.

بدأت الأفكار تتناثر في رأس سديم المشوش؛ إلى أين يذهب لينقذها؟ ومن يملك القدرة على مواجهة لعنة كهذه؟

قفز اسم الساحر "بريمان" إلى ذهنه كخيار أول، لكنه سرعان ما نفض الفكرة بامتعاض؛ فبريمان استسلم للخرف في الآونة الأخيرة، ولم تعد كلماته أو طقوسه محل ثقة، ثم فكر في "سليل"، لكنه استبعده فورا حين استعاد ذكرى الكارثة الأخيرة التي تسبب بها؛ حين مات أحد التجار بين يديه نتيجة تجاربه المتهورة للشفاء من أمراض مستعصية.

تملك الخوف من قلب سديم، ورفض عقله فكرة أن يخاطر بحياة لينا ويجعلها رهينة لتجاربه سليل الفاشلة. تراجع سديم خطوة، وشعر بضيق الخيارات يطبق على صدره، فكل باب كان يطرقه في خياله كان يوصد في وجهه قبل أن يبدأ.

ومضت صورة إيزميرا في ذهنه فجأة، فانتفض واقفا واتسعت عيناه بيقين قاطع، وتمتم بصوت مسموع:

- نعم.. نعم، هي، سأذهب إليها الآن.

لم يضع سديم وقتا في التساؤل أو التردد؛ بدأ على الفور في تجهيز لينا التي كانت غائبة تماما عن الوعي، وجسدها يتلوى تحت وطأة حرارة مرتفعة لم تنجح محاولات الحكيم في إخمادها.

حملها بين ذراعيه بحذر شديد، وعيناه لا تفارق وجهها الشاحب.

التفت سديم نحو "بلانو"، وبنبرة آمرة، طلب منه استخدام قدرته لنقلهم بسرعة البرق إلى وجهتهم.

لم يدر في خلده أبدا، وهو يسابق الزمن للوصول، أن إيزميرا ومساعدها بنجامين يصارعان في تلك اللحظة للخروج، حيث أطبقت عليهم صخرة بغتة أمام فتحة الكهف، وحولتهما من منقذين منتظرين إلى ضحايا يبحثون عن مخرج.

*******

داخل العتمة الخانقة، كان بنجامين يحاول دفع كتلة صخرية ضخمة استقرت فوق مدخل الممر الضيق، بينما كانت إيزميرا تحاول التقاط أنفاسها وسط الغبار الكثيف الذي ملأ المكان. 

كانت صرخات الاستغاثة تضيع خلف الجدران الصماء، والوقت الذي كان سديم يحسبه لصالحه، كان يتسرب من بين أصابع إيزميرا ومساعدها وهما يصارعان للخروج.

ضاق نفس بنجامين فجأة، وازدحم صدره بهواء ثقيل لم يجد له مخرجا، بينما تفجرت حبات العرق على جبينه. جحظت عيناه وبرزتا بشكل مخيف، واستحالت ملامح وجهه إلى مادة هلامية شاحبة، بدت في ضوء الشعلة الخافت وكأنها شمع يذوب ويسيل عن العظم.

وبسرعة كبيرة رفع يده وضغط على وجهه بقوة، كأنه يحاول إعادة تشكيل ملامحه الهاربة، وما هي إلا هنيهة حتى سكن اضطرابه وعادت له قوته الظاهرة.

كانت إيزميرا في تلك اللحظة مشغولة بمسح جدران الكهف الشاسع بعينيها، تبحث عن مخرج ينقذهما من هذا السجن الصخري، فلم تلحظ ذلك التحول المرعب الذي ألم به.

التفتت إليه وقالت بنبرة حادة شابها الانزعاج:

لقد قلت لنفسي قبل دخول هذا المكان أنه لا يبشر بخير.. قل لي الآن، كيف نخرج من هنا؟

أرخى بنجامين يده عن وجهه، وأجاب بصوت غلفته الحيرة والارتباك:

- لا أعرف.. أنا أيضا أشعر بشيء عجيب في أرجاء هذا الكهف.

ثم أضاف وهو يتجنب النظر في عينيها مباشرة:

- يجب أن نستمر في البحث.. لا خيار آخر.

أومأت برأسها وقالت باختصار:

- وهو كذلك.

توغلت إيزميرا في جوف الكهف، ترفع عصاها التي أطلقت تعويذة نارية أنارت لها عتمة الطريق بضوء برتقالي راقص، وعندما وصلا إلى مفترق طرق، لم تتردد؛ سلكت الممر الأيمن بخطى واثقة.

لكن، ومع كل خطوة نحو الداخل، كان بنجامين يغرق في عرقه أكثر، وتتسعت عيناه بدهشة ممزوجة بذعر مكتوم.

توقف فجأة، وبصوت متهدج طلب منها أن يتريثا قليلا.

إيزميرا، التي كان إصرارها على النجاة يفوق شعورها بالتعب، لم تكن تنوي التوقف، تطلعت إلى الممر الممتد أمامها وقالت وهي تواصل سيرها:

- سنتقدم قليلا لعلنا نجد فتحة أو ممر يؤدي للخارج.

اتكأ بنجامين على صخرة ناتئة، ثم ما لبث أن وقف وتراجع للخلف بضع خطوات غير متزنة.

هنا، شعرت إيزميرا بأن بنجامين ليس على ما يرام، رأت وجهه يضطرب وعينيه تزوغان بشكل مريب. 

قطبت حاجبيها، واقتربت منه ببطء وهي تتفحص ملامحه، ثم سألته بنبرة هادئة لكنها حذرة:

- هل أنت على ما يرام حقا؟

أجابها بنجامين على مضض، وهو يحاول تثبيت صوته الذي كاد يخونه:

نعم.. بخير.. اذهبي أنت.

نظرت إليه للحظات، وكأنها تزن صدق كلماته، ثم قالت:

- حسنا، انتظرني في مكانك هذا ريثما أعود.

رد بنبرة خافتة ومنكسرة:

- نعم.. سأنتظر.

نهض بنجامين بجسد مثقل، لم يستطع البقاء قريبا من المسار الذي سلكته إيزميرا؛ فكلما حاول التقدم بضع خطوات في أثرها، شعر بلهيب غير مرئي يلفح جلده، ونار باطنية تضطرم في عروقه وتكاد تحرق أنفاسه.

تراجع بخطى بطيئة، مبتعدا عن ذلك الممر المشؤوم، وآثر البقاء في بقعة أكثر برودة وظلمة. 

كان يشعر أن المسافة بينه وبين إيزميرا ليست مجرد أمتار، بل هي حاجز من الألم يمنعه من اللحاق بها، استند بجسده المنهك إلى الجدار الصخري، وأرخى رأسه للخلف وهو يراقب تلاشي ضوء عصاها البعيد، بينما بقيت يده تتحسس وجهه بحذر، كأنه يتأكد أن ملامحه ما تزال في مكانها ولم تذب بعد.

غابت خطوات إيزميرا تدريجيا في عمق الممر الأيمن، وانحسر ضوء عصاها السحري مخلفا وراءه ظلالا تتراقص على الجدران الصخرية الرطبة، حتى لم يعد يسمع بنجامين سوى صدى أنفاسه المتسارعة ونبضات قلبه التي كانت تقرع في صدره.

سكن المكان سكونا موحشا، لكن بنجامين لم يشعر بالوحدة، بل شعر بشيء يراقبه من ثنايا الظلام، تراجع خطوة أخرى للخلف، واصطدم ظهره ببرودة الصخر، فقفز بجسده كمن مسته نار، لم يكن الخوف وحده ما ينهشه، بل كان ذلك الإحساس "الذائب" يعود ليتسلل إلى ملامح وجهه مرة أخرى، قبض يده بقوة حتى انغرزت أظافره في كفه، وهمس بصوت مبحوح خرج من بين أسنان مطبقة:

- ما الذي يحدث لي؟ اللعنة، ليس الآن.

سند رأسه على الجدار، وأغمض عينيه محاولا استجماع شتات نفسه، وفي تلك اللحظة، سمع صوتا خفيا، ليس صوتا بشريا، بل كان أشبه بفحيح هادئ ينسل من شقوق الأرض قائلا:

- سنقتلك.

فتح عينيه ببطء، ليرى هالة باهتة من ضوء غريب تنبعث من الممر الأيسر الذي لم يختاروه، ضوء لا يشبه ضوء النار، بل كان لونا أرجوانيا شاحبا يترنح مع حركة الهواء.

في هذه الأثناء، كانت إيزميرا قد ابتعدت مسافة ليست بالقصيرة، توقفت فجأة، ورفعت عصاها عاليا، لاحظت أن جدران الكهف هنا ليست صخورا طبيعية تماما؛ كانت هناك نقوش غائرة تشبه العروق النابضة، تلتف حول الفتحات الضيقة، شعرت ببرودة مفاجئة تسري في يدها التي تمسك بالعصا.

عادت بضع خطوات للخلف، وعيناها تتفحصان السواد الذي تركته خلفها، وفجأة، انطفأت الشعلة التي على رأس عصاها دون سابق إنذار، وساد ظلام دامس، لكنها في تلك اللحظة بالذات، سمعت صوت خطى ثقيلة تقترب منها، ليست خطى بنجامين المعهودة، بل كانت خطى منتظمة، بطيئة، وتجر خلفها شيئا معدنيا يرتطم بالأرض برنين خفيف.

حبست إيزميرا أنفاسها، ووضعت يدها على خنجرها الصغير الم

علق في حزامها، بينما كان قلبها يخفق بجنون. همست لنفسها بصوت يكاد لا يسمع:

-ما الذي أيقظناه في هذا المكان؟

More Chapters