مرت الأيام التالية لليلة الفزع تلك ثقيلة كالجبال. كان رايفن يتحرك كآلة مكسورة في أزقة المدينة، يحمل في صدره أسرارًا مرعبة لا يجرؤ على البوح بها لأحد، وعينين تترقبان الشرفات والزوايا المظلمة خوفًا من ذلك الهمس البارد الذي وعده بأن "القادم أعظم". كانت كلمات ملك الشياطين والظلال التي رآها في كابوسه الأخير تطارده كعاصفة لا تهدأ، تاركةً إياه في صراع دائم بين الحفاظ على بقايا روحه أو الاستسلام لما ينتظره.
في صباح يوم شتوي قارص، حيث كانت الغيوم الرمادية تحجب الشمس تماماً، دخل رايفن الفصل بخطواته المعتادة المطأطأة، وعيناه مثبتتان على الأرضية الخشبية البالية. لكنه عندما اقترب من مقعده المنعزل في الزاوية الأخيرة—حيث اعتاد العزلة—تفاجأ بوجود حقيبة ملونة لم يرها من قبل. بجوار مقعده، كانت تجلس فتاة لم يلمحها في المدرسة قط. كانت ملامحها هادئة، وشعرها البني ينسدل بلطف، وتحمل في عينيها طيبة وبراءة افتقدها رايفن في كل وجوه البشر من حوله منذ وفاة والديه.
التفتت إليه عندما جلس، ولم تلتفت عنه كما يفعل الباقون، بل ابتسمت له بلطف حقيقي وقالت بصوت ناعم: "مرحباً، أنا ليلي.. طالبة جديدة، تم نقلي إلى هنا بالأمس فقط".
تجمد رايفن في مكانه لثوانٍ، وتلعثم لسانه في حلقه. لم يعتد أن يبادر أحد بالحديث معه دون سخرية أو نظرة احتقار. تمتم بصوت مخنوق وخافت: "أنا.. رايفن"، ثم التفت سريعاً نحو السبورة محاولاً إخفاء ارتباكه الخجل، ونبضات قلبه التي تسارعت فجأة.
لكن ليلي لم تتراجع أو تتجاهله؛ طوال الحصص، كانت تشاركه ملاحظاتها في الدفتر الصغير، وتسأله عن الدروس الفائتة، وتتحدث معه في الفترات الفاصلة ببراءة حطمت جزءاً كبيراً من أسوار العزلة والجليد التي بناها حول نفسه لسنوات. استمع إليها وهي تتحدث عن حبها للقراءة والروايات، ولأول مرة منذ زمن طويل، شعر رايفن بدفء حقيقي في قلبه—ليس دفء اللعنة أو الشيطان—بل بصيص من الأمل الإنساني، شعور نادر بأنه ليس نكرة، وأن هناك في هذا العالم الموحش من يراه كإنسان يستحق الكلام.
لكن، في عالم رايفن الأسود، لا يدوم السلام طويلًا.. فالشر دائماً يتربص باللحظات الجميلة.
خلال فترة الغداء، كان رايفن يسير مع ليلي في الممر الرئيسي للمدرسة، يسألها عن انطباعها الأول ومبتسماً في سرّه. فجأة، انقطع حبل أفكاره عندما رن صدى ضحكات مألوفة هزت كيانه. قطع طريقهم ديريك وعصابته—ميلو، وكايد، وفين. ارتسمت الابتسامات الخبيثة والشريرة على وجوههم فوراً وكأنهم عثروا على صيد ثمين.
دفع ديريك رايفن بقوة غاشمة في كتفه، ليصطدم بظهر الحائط المتهالك بقوة ألمت ظهره. نظر ديريك إلى ليلي بسخرية وقال بصوت عالٍ ليسمعه الجميع: "أوه، انظروا يا رفاق! الحشرة اليتيمة وجدت لنفسها صديقة! هل أخبركِ عن ماضيه المقزز يا ليلي؟ أم أخبركِ كيف يبكي مثل الأطفال ويزحف على الأرض كلما لمسناه؟"
تعالت ضحكات ميلو وفين المستفزة، بينما تقدم كايد خطوة نحو رايفن، ووضع إصبعه بقسوة على صدر رايفن باحتقار قائلاً: "أنت مجرد نكرة يا رايفن، مكانك القمامة.. ولا مكان للحشرات بجانب الفتيات اللطيفات. ابتعد عنها قبل أن ندفن رأسك في التراب مجدداً".
شعر رايفن بالأرض تميد من تحته، وامتدت نظرات السخرية والهمسات من الطلاب الذين تجمعوا في الممر كالسياط التي تجلد كرامته. امتلأت عيناه بدموع العجز والقهر، وتمنى في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبتلعه خشية أن تراه ليلي في هذه الحالة الضعيفة.
لكن ليلي لم تقف صامتة؛ اندفعت خطوة للأمام ووقفت بحزم بين رايفن وديريك، وقالت بغضب عارم وعينين تشتعلان شرراً: "اتركوه وشأنه! أنتم مجرد مرضى نفسيين ومقززين! القوة ليست بالبلطجة والتنمر على الآخرين، أنتم لا تساوون شيئاً!".
لم تزد كلماتها العصابة إلا ضحكاً وسخرية، وشعر ديريك بالإهانة لأن فتاة تقف في وجهه. التفت إلى رايفن ووجه إليه ركلة قوية في ساقه، دفعت رايفن ليسقط أرضاً على ركبتيه بقلة حيلة أمام الجميع، بينما غادرت العصابة الممر وهم يطلقون صيحات الاستهزاء والنصر.
انحنت ليلي فوراً وساعدت رايفن على النهوض وهي تعتذر له نيابة عنهم، لكن رايفن لم يستطع النظر في عينيها. أخذ حقيبته وركض خارج المدرسة بأكملها، متوجهاً إلى منزل جدته.
عاد في تلك الليلة وجسده يرتجف، ليس من ألم السقوط، بل من نار القهر والإهانة التي أحرقته أمام الشخص الوحيد الذي عامله بلطف. دخل غرفته المظلمة، وارتمى على الأرض بجانب سريره، واضعاً رأسه بين ركبتيه وباصقاً دموع العجز، يسأل نفسه بصوت باكٍ: "لماذا أنا؟ لمَ يرفضني العالم هكذا ويدوس على كرامتي؟".
وفجأة.. هبط الصمت على الكون، وبرد الهواء في الغرفة بشكل مرعب وجمد الأنفاس.
انطفأ الضوء الشحيح القادم من الشارع، وبدأت الظلال تتجمع من تحت السرير ومن زوايا الغرفة، تتلوى كالأفاعي وتتمدد كأنها كائنات حية حقيقية، حتى تضخمت وتشكلت في وسط العتمة تلك الهيئة المظلمة العملاقة، ذات العيون الحمراء المتوهجة كالجمر المشتعل.
تردد في أعماق عقله الفحيح الناعم والدفء السام للشيطان، صوته كان أقوى هذه المرة ويحمل نبرة حثيثة:
"رأيتُ كل شيء.. رأيت كيف داسوا على كرامتك وجعلوك تبدو كالحشرة الضعيفة في عينيها. ليلي فتاة طيبة، لكن طيبتها وكلماتها لن تحميك من مخالبهم في المرة القادمة. سيحطمونك ويحطمونها أمامك. لماذا تقاوم القدر؟ القوة بين يديك وتنتظر إشارة منك.. وافق على العقد، وسأمنحك القدرة على سحق ديريك وعصابته. سأجعل عظامهم تتكسر تحت قدميك، يصرخون دماً ويتوسلون إليك لترحمهم! انتقم يا رايفن.. خذ حقك بيدك ودع العالم يركع!"
نبضت القوة الملعونة في صدر رايفن بعنف شديد كاد يمزق ضلوعه، وشعر بطاقة مرعبة تسري في عروقه كأنها كهرباء، ورأى في عقله مشهداً خاطفاً مروعاً لديريك وهو يحترق ويصرخ طالباً الرحمة وسط نيران سوداء. كان الإغراء شديداً، وجزء كبير من روحه الجريحة صرخ: "نعم! أريد الانتقام!".
لكن في اللحظة التي كاد يمد فيها يده للظلام، قفزت صورة ليلي وهي تبتسم له في الصباح، وصورتها وهي تدافع عنه بجسدها الضعيف أمام ديريك. شعر رايفن فجأة أن القبول بهذا العرض المظلم يعني تحوله إلى مسخ يسفك الدماء، وتدمير كل شيء نقي بداخلة، ولن يتبقى فيه أي جزء إنساني تستحق ليلي أن تصادقه من أجله.
تراجع رايفن إلى الخلف بذعر، وضغط ظهره بقوة على الحائط المتهالك، وصرخ بأعلى صوته محاولاً طرد الإغراء المرعب: "لا! لن أوافق! لن أنتقم بهذه الطريقة البشعة!".
ثم حدق مباشرة في العيون الحمراء المتوهجة بجسارة ممزوجة برعب يزلزل الكيان، وصرخ بكل قهر وسخط وسأل السؤال الذي يمزق عقله: "أنتو مين؟! أنت إيه بالظبط؟ وماذا تريد مني؟! ارحل عني وعن حياتي!".
اضطربت الظلال في الغرفة بعنف شديد كأنها إعصار أسود، وأصدر الكيان صوتاً يشبه القهقهة المكتومة المرعبة التي هزت جدران الغرفة البالية وسقوفها، ولم يُجب عن السؤال، بل بدأ يتراجع ببطء عائداً إلى العتمة الحلكة وهو يهمس بفحيح يقشعر له البدن: "الرفض الآن لن يغير من الحقيقة شيئاً.. قريباً جداً، ستتوسل إليّ بنفسك لكي آخذ جسدك وروحك مقابل الخلاص".
تبددت الظلال فجأة، وعاد هدوء الليل القاتل، وترك رايفن يستلقي على الأرض يلهث بشدة ويتصبب عرقاً في الظلام، مدركاً أن أسوار قلبه الإنساني بدأت تتآكل، وأن المعركة الحقيقية لحماية روحه من الهلاك قد بدأت بالفعل.
ـ يتبع ـ
